
أدى تنفيذ برامج ضخمة بكلفة مليارات الدولارات لتوسيع وتطوير المطارات في دول مجلس التعاون الخليجي، وما ترافق مع نمو سريع في معدلات الحركة، إلى تنامي ظاهرة “ازدحام الأجواء” وتصاعد التحديات التي تواجه عمليات إدارة حركة الملاحة الجوية في المنطقة.
ومن المتوقع أن تتصاعد التحديات المرتبطة بازدحام الأجواء في ظل التوقعات باستمرار معدلات النمو القوية لقطاع الطيران المدني في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، حيث يرجح أن تشهد شركات الطيران في منطقة الشرق الأوسط معدل نمو سنوي قدره 5.8% من الآن وحتى عام 2025، وهو من أعلى معدلات النمو على المستوى العالمي، حيث يتوقع أن يتراوح متوسط النمو العالمي حول 4.6 في المائة سنوياً.
وترجح هذه التقديرات ارتفاع إجمالي حركة الطائرات من وإلى منطقة الشرق الأوسط بمعدل سنوي قدره 7.6% لتصل إلى 2,346,000 رحلة في عام 2025. وتمثل دولة الإمارات نموذجا للنمو السريع المسجل على مستوى المنطقة، حيث شهدت حركة الطائرات بها نموا نسبته 6.7% في عام 2012، كما سجلت زيادة نسبتها 16.2 في المائة في حجم أساطيل شركات الطيران ومشغلي الرحلات الجوية المسجلين في دولة الإمارات العربية المتحدة على مدى السنوات العشرة الأخيرة.
وطبقاً للخبراء في صناعة الطيران، فإن ما يزيد عن 50 في المائة من حركة طائرات الركاب وما يزيد عن 65 في المائة من حركة طائرات رجال الأعمال في منطقة الشرق الأوسط تتركز في منطقة مجلس التعاون الخليجي.
وتوضح الخطة الاستراتيجية للهيئة العامة للطيران المدني في الامارات أن الطلب المتزايد على السفر بالطائرات سيواصل فرض تحديات على كفاءة نظام إدارة الملاحة الجوية.
وبينما سيظل الطلب من قبل شركات الطيران الكبرى على المطارات الرئيسية التي تشكل نقاط توقف محورية لتجميع الركاب (hub-and-spoke system) كما هو عليه اليوم إلى حد كبير، فإن تزايد الطلب على خدمات الطيران المباشر بدون توقف (point-to-point service) سوف يخلق أسواقاً جديدة ويؤدي إلى زيادة نشاط شركات الطيران الاقتصادي ورحلات التشارتر، وخدمات النقل حسب الطلب.
وبالإضافة إلى ما سبق، فمن المتوقع أن يؤدي ظهور الطائرات النفاثة فائقة الحجم إلى خلق أسواق جديدة في قطاعي الطيران العام وطيران الأعمال، وعمليات التاكسي الجوي والطيران المباشر من دون توقف. وتبعاً لذلك من المتوقع أن تشهد مطارات عديدة زيادات هائلة في عدد رحلات الطيران غير المجدولة، بينما العديد من المطارات التي تدعم رحلات الطيران المجدولة، سوف تشهد تشهد، تكدساً في حركة الطائرات أو تأخير الرحلات، خاصة إذا لم يتم بذل الجهود الكافية لزيادة سعاتها الإستيعابية.
وكنتيجة لذلك، سيقتضي الأمر مرونة أكبر في تخصيص مجال جوي إضافي، حيث يشكل ذلك أمراً حيوياً ليس فقط لاستيعاب النمو المتزايد، ولكن أيضاً لاستيعاب التعقيدات المتزايدة في حركة الملاحة الجوية.
ويخضع حوالي 50 في المائة من المجال الجوي في منطقة مجلس التعاون الخليجي لبعض أشكال القيود، معظمها قيود ذات طابع عسكري، حيث يتم منع الطائرات التجارية من استخدام الممرات الجوية الأكثر كفاءة، مما يؤدي إلى فرض تكاليف إضافية غير ضرورية على شركات الطيران.
ويتعين على الطائرات التي تحَلٍق في المجال الجوي بمنطقة مجلس التعاون الخليجي أن تتبع مساراً محدداً بصفة مسبقة، وذلك بصرف النظر عن ظروف الريح وسرعتها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة غير ضرورية في إستهلاك الوقود، وبالتالي زيادة إنبعاثات الكربون، طول أوقات الرحلات، وزيادة أثر الضوضاء، وتأخير الرحلات وحدوث تكدس في حركة الملاحة الجوية.
وتُقَدًر قيمة الاستثمارات التي تم ضخها بالفعل في عمليات تطوير عمليات إدارة الملاحة الجوية على مستوى المنطقة بما يزيد عن 700 مليون دولا أمريكي، كما يجري التخطيط حالياً لضخ استثمارات بنفس القيمة تقريباً في هذا القطاع.
ويُعَدٌ المجال الجوي لدولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر المجالات الجوية أهمية على مستوى العالم، وذلك نظراً لموقعها الإستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب. وتبلغ المساحة الإجمالية للمجال الجوي الإماراتي 120,000 كيلو متر مربع، يتضمن 35 ممراً جوياً دولياً.
وقد قامت الهيئة العامة للطيران المدني بدولة الإمارات العربية المتحدة بالتوقيع مؤخراً مع شركة إيرباص بروسكاي على إتفاقية بخصوص برنامج لتحسين المجال الجوي الإماراتي، وذلك اعتباراً من العام الجاري، للتمكن من التعامل مع تحديات النمو في معدلات الحركة، حيث شهد الإقليم الجوي لدولة الإمارات العربية المتحدة نحو 741,450 رحلة طيران في عام 2012.
وبدوره قال سيف السويدي مدير عام الهيئة العامة للطيران المدني: “نجمت هذه التحديات عن التوسع السريع الذي تشهده شركات الطيران المحلية وأيضاً شركات الطيران الإقليمية الأخرى، ناهيك عن محدوديه وصِغَر حجم المجال الجوي لدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى القيود الإقليمية وهي قيود يتم فرضها في مناطق خارج نطاق سيطرة دولة الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي قاد إلى حدوث تأخيرات في الرحلات الجوية، كما أصبح الإقليم الجوي الإماراتي أشبه بعنق زجاجة”.
وقال محمد أهلي مدير عام هيئة دبي للطيران المدني: “كانت معظم حالات التكدس في حركة الملاحة الجوية تحدث في الماضي على الأرض. أما اليوم، فإن التحدي الإستراتيجي الأكبر الذي يهدد نمو صناعة الطيران يتمثل في ازدحام الأجواء. لذا، فإننا حالياً بصدد تطوير مجالين جويين، سيخصص أحدهما لنطاق دول مجلس التعاون الخليجي، بينما سيتم تخصيص الآخر للمجال الجوي الدولي”.
وقال دانيال قريشي، مدير المعرض في شركة «ريد للمعارض الشرق الأوسط»، المنظمة لمعرض المطارات في دبي: “إن تطوير القدرات من أجل إدارة أفضل للمجالات الجوية، بات من بين أهم التحديات التي تواجهها هيئات الطيران المدني في تطلعاتها نحو النمو. فقد تأخر إصلاح المجال الجوي في المنطقة كثيراً وبات يتطلب إلتزاماً كبيراً من جانب الحكومات وكافة الأطراف ذات العلاقة، بمن فيها مزودي خدمات الملاحة الجوية، المطارات وشركات الطيران. فليس سراً أن نظم إدارة الملاحة الجوية الحالية لم تعد قادرة على الوفاء بالطلب، ومن الضروري الاستثمار بكثافة في هذا المجال”.
وسيتم خلال معرض المطارات 2013 المقرر إقامته في دبي خلال الفترة من 6-8 مايو المقبل عرض أحدث حلول ونظم إدارة الملاحة الجوية. وسيشارك في المعرض الذي يدخل هذا العام دورته الثالثة عشرة عارضون متخصصون في مختلف مجالات عمليات إدارة الملاحة الجوية، بما فيها أبراج المراقبة الجوية، أبراج المراقبة المحمولة، الإتصالات، نظم معالجة البيانات، لوحات التحكم والمراقبة، الهياكل الخارجية، نظم الهبوط، وسائل المساعدة الملاحية وإدارة الأساطيل.
وقد بلغ ازدحام الأجواء في المنطقة حداً دفع توني تايلر، الرئيس التنفيذى ومدير عام الإتحاد الدولى للنقل الجوى “أياتا” إلى التنبيه من مخاطر تفاقم مثل هذا الوضع حيث يقول: “يتعين على منطقة الشرق الأوسط أن تتلافى العيوب التي رأيناها في أورروبا. لقد باتت التأخيرات في إدارة الملاحة الجوية تكاد تبلغ بالفعل حد الأزمة في منطقة الخليج. وسيكون من المؤسف أن تضيع الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية على الأرض بسبب عدم وجود تقدم في الأجواء. وإذا تم ترك مشكلة ازدحام الأجواء تتفاقم، فستتحول بسرعة إلى عقبة يصعب التغلب عليها. فكلما زاد حجم هذه المشاكل، كلما صَعُبَ حلها”.
وفقا لدراسة أوكسفورد الاقتصادية، تمتلك منطقة الشرق الأوسط 1029 طائرة في الخدمة ، تشغلها 65 شركة طيران الى 70 مطارا تجاريا . وتمتلك منطقة الخليج العربي 36 مطارا ، ثمانية منها في الإمارات العربية المتحدة . وتستحوذ شركات طيران الإمارات، طيران الإتحاد والخطوط الجوية القطرية على معظم طلبيات شراء الطائرات الجديدة. ومن المتوقع أن ترفع هذه الشركات من طاقاتها الاستيعابية على مدى السنوات الخمس القادمة بنسبة تتجاوز 15 في المائة سنوياً، وذلك طبقاً لدراسة أجرتها مؤسسة بوز أند كومباني، بعنوان “التغلب على التحديات التي تواجهها منظومة الطيران في الشرق الأوسط”، الأمر الذي يعني أن الازدحام في أجواء دول مجلس التعاون الخليجي سيتصاعد.
وطبقاً للهيئة العامة للطيران المدني، فإن الإقليم الجوي لدولة الإمارات العربية المتحدة سيشهد 895,468 رحلة طيران في عام 2015، وسيرتفع هذا الرقم إلى 1.13 مليون رحلة طيران بحلول عام 2020، ثم إلى 1.63 رحلة طيران بحلول عام 2030. وقد أعدت الهيئة العامة للطيران المدني دراسة ركزت فيها على تحسين السعة الإستيعابية للمجال الجوي الإماراتي، وقد أكدت هذه الدراسة على أن النمو في الطائرات المستخدمة في الرحلات المنتظمة والطيران العام سيؤدي إلى زيادة في الطلب على الطيران المباشر من دون توقف.
وطبقاً لدراسة حديثة اجرتها مجموعة ( اير ترانسبورت اكشن غروب ) بعنوان: “ثورة في إدارة الملاحة الجوية”، فإن مزودي خدمات الملاحة الجوية في الشرق الاوسط يديرون 13 إقليماً جوياً، وينظمون ما يزيد عن 1.7 مليون رحلة جوية بين 15 مطارا دوليا، فضلاً عن 700,000 رحلة بين 45 مطارا محليا كل عام. وقد أوصت كل من المنظمة الدولية للطيران المدني ومنظمة خدمات الملاحة الجوية المدنية، بوجوب قيام مزودي خدمات الملاحة الجوية بتحديث بناهم التحتية، وذلك من خلال الاستثمار في الإتصالات الرقمية، وتكنولوجيا المراقبة والملاحة.
وقال سالم العوفي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للطيران المدني بسلطنة عمان: “من أبرز التحديات الرئيسية التي تواجهنا هو الازدحام الكبير في مجالنا الجوي الذي يضم اليوم خمسة قطاعات. ونأمل أن نفتح في السنة القادمة قطاعين إضافيين، لأن هناك طلباً متزايداً في هذا المجال، ونحن نضع في اعتبارنا خيارات عديدة لمساعدتنا في حل هذه المشكلة”.
أما في البحرين، فقد سجلت حركة الملاحة الجوية نمواً بلغت نسبته 12 في المائة خلال الفترة بين عامي 2003 و2012. ومن المتوقع تسجيل نمو نسبته 11 في المائة خلال الفترة بين عامي 2013 و2022.
ويقول فريد العلوي، رئيس عمليات الملاحة الجوية بإدارة شئون الطيران المدني في مملكة البحرين: “تتمثل العقبة الرئيسية أمام توفير سعات إضافية للحركة الجوية، في عدم توسيع المجال الجوي لمنطقة الشرق الأوسط حتى الآن. وقد أضحى تعاون القطاعين المدني والعسكري، أمراً حيوياً في ظل الظروف الحالية التي تواجهها صناعة الطيران، وذلك بسبب النمو المتسارع في حركة الطيران المدني، حيث سيقود الإخفاق في إضافه مسارات جوية جديدة، خاصة في الإقليم الجوي البحريني، إلى الحد بصورة كبيرة من إمكانيات زيادة السعة الإستيعابية للحركة الجوية”.
وتعاني بقية دول المنطقة (منها المملكة العربية السعودية والكويت) من ضغوط وتحديات مماثلة بالنظر إلى النمو العالي الذي سجلته حركة الطيران في هذه الدول، فضلاً عن توسع شركات الطيران فيها. فبالنسبة للمملكة العربية السعودية، من المتوقع أن ترتفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمطاراتها إلى 140 مليون مسافر كل عام، بينما لم تزد سعتها في عام 2011 عن 54.5 مليون مسافر. أما الكويت، فقد بلغ إجمالي حركة الملاحة الجوية فيها 85,567 حركة في عام 2012.
