
تسهم الإيرادات غير الجوية بدورٍ فاعل في مساعدة المطارات حول العالم على تمويل خطط توسيع بنيتها التحتية، وترسي “سوق دبي الحرة” التي تشهد أضخم عمليات بيع بالتجزئة في المطارات على مستوى العالم، مثالاً واضحاً على ذلك. فقد جمعت السوق مبلغاً قدره 1.7 مليار دولار من تحالفٍ من المقرضين لدعم المرحلة الرابعة لتوسعة مطار دبي، التي رصد لها مبلغ 28 مليار درهم.
وفي عام 2012، سجّلت السوق التي تعد أكبر مؤسسة للبيع بالتجزئة في مطارات العالم مبيعات بقيمة 1.6 مليار دولار من 57 مليون مسافر عبر ثاني أكثر مطار إشغالاً على المستوى العالمي. وفي حين شهدت أعداد المسافرين عبر مطار دبي نمواً بنسبة 1300 في المائة، فقد ارتفع نشاط التسوق في “سوق دبي الحرة” بواقع 7200 في المائة خلال العقود الثلاثة على تأسيسها.
وفي هذا السياق، قال كولم ماكلوكلين، النائب التنفيذي لرئيس مجلس إدارة سوق دبي الحرة: ” بحلول عام 2018 الذي يتوقع لمطار دبي أن يستقبل فيه أكثر من 90 مليون مسافر، نتوقع لأعمالنا التجارية أن تصل عتبة 10 مليارات درهم، وأن يبلغ العدد الإجمالي لموظفينا 8 آلاف موظف، بينما نتوقع لمبيعاتنا في عام 2013 أن تصل إلى ما يقارب 1.81 مليار دولار. وخلال مسيرتنا التي امتدت على مدار 29 عاماً، لم نشهد عاماً لم تسجل فيه المبيعات ارتفاعاً ملحوظاً. وحتى في عام 2009 خلال فترة الركود العالمي، ارتفعت مبيعاتنا بنسبة ثلاثة في المائة “.
ويتفق مع ماكلوكلين في تفاؤله، بول غريفيث الرئيس التنفيذي لمطارات دبي الذي قال خلال “منتدى ترينتي 2012”: “تتسم الإيرادات التجارية بأهمية بالغة بالنسبة لمطار دبي، فإذا جمعنا إيرادات السوق الحرة وإجمالي الإيرادات غير الجوية، فسيزيد مجموعهما الإجمالي في الواقع على 2 مليار دولار سنوياً. ويبلغ حجم الإيرادات الجوية حوالي 600 مليون دولار أمريكي، ما يتيح لنا رؤية أن الكفة تميل لصالح الإيرادات التجارية، وأعتقد أنها تحظى بالكثير من اهتمامنا”.
ووفقاً لبحثٍ أجرته مؤسسة “جينيريشن ريسيرتش” المستقلة المتخصصة في القطاع، تقف “سوق دبي الحرة” وراء 5% من المبيعات في متاجر المطارات العالمية وأكثر من 40% من إجمالي القطاع على المستوى الإقليمي. ويأتي نجاح “سوق دبي الحرة” ليعكس قوة ودور الإيرادات التجارية في تعزيز ربحية ونجاح المطار، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي يتوقع لها أن تستقبل 400 مليون مسافر بحلول عام 2020.
من جانبه، أوضح دانيال قريشي، مدير “معرض المطارات 2013”: “شهدت المطارات مرحلة تحول هائل من مجرد جزء أساسي من البنية التحتية للطيران، إلى مزودي خدمات يركزون على الأعمال ويتطلعون نحو المستقبل. ومنذ ذلك الحين، أصبح قطاع المطارات العالمي يتسم بطابع تجاري أوضح”.
وتتميز الإيرادات غير الجوية بقدرتها على تحقيق خفض ملموس في التكاليف التشغيلية للمطارات، إذ تجري إعادة استثمار الأرباح المجمعة من الإيرادات غير الجوية في البنية التحتية للمطارات، وبالتالي الحد من الحاجة إلى رأس المال والتكاليف الإجمالية. وأضاف قريشي: “ما زالت مسيرة استكشاف نمو وتطور قطاع الأنشطة غير الجوية في المطارات في بدايتها. فإذا بادرنا إلى بناء نماذج مطارات تجمع تحت مظلتها بين مدن المطارات والمنصات متعددة الوحدات، سنرى أمامنا مجموعة هائلة من الفرص والإمكانات، وليس فقط بالنسبة للمطارات الكبرى”.
أما في “شركة أبوظبي للمطارات” المسؤولة عن تشغيل المطارات الخمسة في إمارة أبوظبي، فقد وصلت إيرادات مبيعات السوق الحرة إلى 809.5 ملايين درهم في عام 2012 بزيادة نسبتها 24 في المائة عن 2011. ويعني ذلك ارتفاعاً بنسبة تزيد على 60 في المائة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، كما أوضح محمد البلوكي، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في “شركة أبوظبي للمطارات” خلال “منتدى ترينتي 2013”. وعلاوة على ذلك، يتوقع لأعمال التجزئة أن تحقق نمواً يزيد على 1.5 مليار درهم بحلول عام 2017.
وتعليقاً على ذلك، قال البلوكي: “بشكل وسطي، تشكل الإيرادات غير الجوية نسبة تتراوح بين 20 إلى 25 في المائة في معظم المطارات. وفي مطار أبوظبي الدولي، تأتي نسبة تتجاوز 50 في المائة من الإيرادات من السوق والنشاط التجاري الذي يضم مبيعات التجزئة وفندق المطار، والمطاعم والمقاهي”.
وتشهد “سوق أبوظبي الحرة” نمواً بمعدلٍ يتجاوز النمو في أعداد المسافرين، بينما تعمل “شركة أبوظبي للمطارات” على بناء مبنى جديد وضخم للمسافرين بمساحة قدرها 700 ألف متر مربع، من شأنه أن يلبي احتياجات أكثر من 30 مليون مسافر سنوياً. وتهدف المنشأة إلى توفير تجربة فريدة للمسافرين وآلاف الموظفين الذين يعملون في المطار. وإذا أضفنا إلى هذا المزيج مرحلة النمو التي تخوضها “الاتحاد للطيران” والزيادة في أعداد المسافرين، فإن النمو المتواصل في إيرادات “سوق أبوظبي الحرة” يتوقع له أن يستمر على هذا المنحى التصاعدي.
ومن جانبها، وقعت “الشركة العُمانية لإدارة المطارات” المسؤولة عن إدارة وتشغيل مطارات مسقط وصلالة والدقم، مؤخراً اتفاقية مع شركة “سيزار سبا” التي تتولى إدارة مطار “كوستا سميرالدا أولبيا” في إيطاليا، تنص على التعاون والعمل على تحسين عدة مجالات مثل الإيرادات غير الجوية وأنشطة التسويق في المطارات.
وبدورها، تعكف “سوق البحرين الحرة” أيضاً على توسيع أعمالها لكسب المزيد من الإيرادات غير الجوية، كما أن مشاريع توسيع نطاق الإيرادات غير الجوية في المطارات في الكويت والسعودية تسير على قدم وساق. وتواصل “السوق الحرة القطرية” أداءها القوي ويتوقع لافتتاح مطار الدوحة الدولي الجديد أن يسهم في تعزيز إيراداتها غير الجوية.
وآخذاً باعتباره هذا النمو الهائل، يصف جون سايم، رئيس “جمعية الشرق الأوسط للأسواق الحرة” منطقة الشرق الأوسط بقوله: “إنها منطقة حيوية تحقق نتائج تفوق المتوقع منها” في ضوء المبيعات التي شهدت ارتفاعاً بنسبة تزيد على 14 في المائة في عام 2011. وأضاف سايم: “تشهد ديناميكيات الأسواق الحرة العالمية تغيراً ملحوظاً، وتأتي منطقة الشرق الأوسط في صميم هذا النمو”.
ويشير “المجلس الدولي للمطارات” إلى أن الإيرادات غير الجوية العالمية تقف وراء ما يزيد على 47 في المائة من عائدات القطاع، ويرى أن الجهات التي تتولى إدارة المطارات يتعين عليها وضع نسبة50 في المائة من سقف الإيرادات الإجمالي كمعيار أدنى لتحقيق الإيرادات من هذه الأنشطة.
وتعليقاً على ذلك، قالت أنجيلا جيتينز، المدير العالمي للمجلس الدولي للمطارات: “خلال الأزمة الاقتصادية، جاء تنوّع إيرادات المطارات ليسهم في الحد من أثر انخفاض أعداد المسافرين وكميات الشحن وحماية الأرباح التشغيلية. وتسهم الإيرادات غير الجوية بدور محوري في تحديد الجدوى المالية للمطار، إذ أنها تميل إلى توليد هوامش أرباح أعلى من أنشطة الطيران غالباً ما تأتي بنتائج محصلتها الصفر أو تسجل عجزاً. وتبقى أنشطة البيع بالتجزئة بمثابة المساهم الأبرز في الإيرادات غير الجوية على الرغم من بعض الاختلافات الإقليمية”.
وليس تقديم خيارات التسوق بمثابة الخطوة الوحيدة التي يمكن لشركات تشغيل المطارات أن تقوم بها لتعزيز الإيرادات، إذ تم اتخاذ العديد من التدابير المبتكرة بما فيها الفنادق والمرافق الترفيهية، والإعلانات، والخدمات الاستهلاكية، وصالات الطعام ومواقف للسيارات وخدمات التأجير، ومنافذ صرف العملات الأجنبية، والصالات وحقوق التسمية، إلى جانب العديد من الأمور أخرى.
وفي استبيان تم إجراؤه للدورة الافتتاحية من “منتدى قادة المطارات العالمي” الذي ستقام فعالياته الشهر المقبل، تصدرت السوق الحرة قائمة الخيارات المفضلة، حيث اعتبرت نسبة 53.4 في المائة من المشاركين أن هذا التدفق في الإيرادات غير الجوية يمتلك أعلى مقومات النمو، يليه قطاعا الإعلان بنسبة 33.3 في المائة والمقاهي والمطاعم بنسبة 32.8 في المائة. وحصلت خدمات المنتجعات الصحية (السبا) على النسبة الأدنى من تصويت المشاركين، وأعقبتها امتيازات التجميل عند نسبة 28.7 في المائة. وتضمنت تدفقات الإيرادات التي انطوت على مقومات نمو أعلى فنادق الإقامة القصيرة في مباني المسافرين (21.3 في المائة) وصالات كبار الشخصيات (21.8 في المائة) ومتاجر الأزياء (24.7 في المائة).
وتتوقع دراسة أجرتها “ألبن كابيتال” في ديسمبر 2012 أن مبيعات التجزئة المتعلقة بالسوق الحرة والسفر في منطقة الشرق الأوسط سترتفع إلى 5.6 مليارات دولار في عام 2016، لتتفوق بذلك على قطاع التجزئة الأوسع من حيث النمو.
ووفقاً للمجلس الدولي للمطارات في أوروبا، فإن نسبة 48 في المائة من إيرادات المطارات الأوروبية تأتي من مصادر غير جوية مثل التجزئة والمقاهي والمطاعم والمواد ومواقف السيارات والعقارات والدعاية والإعلان.
وأوضح داغ فالك بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة “آفينور” المشغلة النرويجية للمطارات أن إيرادات الحركة وصلت العام الماضي إلى 636 مليون يورو، في حين بلغت الإيرادات التجارية 585 مليون يورو. وقال بيترسن: “بوسعنا رؤية أن الإيرادات التجارية أصبحت تقارب بارتفاعها إيرادات الحركة”.
وجمع مطار سيدني 71 في المائة من ايراداته من مصادر غير جوية، بينما جمع مطار شانغي في سنغافورة 58 في المائة، وكوالالمبور 54 في المائة، في حين وصل هذا الرقم في مطار هيوستن الأمريكي إلى 81 في المائة.
وبالنسبة لشركة مطارات جنوب أفريقيا، تواصل الإيرادات غير الجوية لعب دور حيوي، حيث تسهم بما يزيد على 48 في المائة من إجمالي الإيرادات السنوية. وشكل التسوق أكبر مصدر للإيرادات غير الجوية في مطار كوبنهاغن في أوروبا الشمالية، بينما تأتي نسبة 35 في المائة من إيرادات مطار “إنتشون” في سيؤول من العائدات غير الجوية.
ويعكف “المجلس الدولي للمطارات” بنشاط على نقل الرسالة الصحيحة إلى “المنظمة الدولية للطيران المدني” والهيئات الاقتصادية الوطنية المسؤولة عن تنظيم المطارات، ومفادها: أن تنظيم الإيرادات غير الجوية يتعارض مع الفائدة طويلة الأجل لقطاع النقل الجوي.
وسيكون الطريق نحو مستقبل أنظمة المطارات الاقتصادية أحد المواضيع التي ستتم مناقشتها خلال “منتدى قادة المطارات العالمية” الذي سيعقد بالتزامن مع “معرض المطارات 2013” في دبي خلال الفترة من 6 إلى 8 مايو. ويتوقع لهذا الحدث أن يستقطب أكثر من 6000 متخصص في قطاع الطيران من أكثر من 100 دولة.
