
ما أخذ الله مني رشوة حين رد عليّ ملكي.
قائل هذه العبارة هو النجاشي ملك الحبشة، الذي استقبل المسلمين المهاجرين وأحسن إليهم ورفض أن يعيدهم إلى مكة.. أما سبب قوله هذه الجملة فلذلك قصة ذكرتها لنا أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وتقول تلك القصة أن أبو النجاشي كان ملكاً على الحبشة. ولم يكن له سوى ولد واحد هو النجاشي. وكان أخوه له عقب “أولاد” وصل عددهم إلى اثني عشر ولداً..
فقال الأحباش إن الملك ليس له سوى ولد واحد. فإن مات تولى ابنه بعده. وربما أدى ذلك إلى ضعف الملك وهوان أمر الحبشة. فزينوا للأخ أن يقتل أخاه ويتولى الأمر من بعده ومازالوا به حتى وثب علي أخيه فقتله وتولي الملك.
وعاش النجاشي مع عمه. وكان لبيباً حازماً حكيماً فاستولى علي قلب عمه. حتى لم يعد يبرم أمراً إلا بمشورته. لكن بعض الناس حقدوا على النجاشي خوفاً من تسلمه الملك بعد عمه. فاحتالوا لاخراجه من البلد. فذهبوا به إلى السوق فباعوه لتاجر بمائة درهم. وحملوه في سفينة استعداداً للانطلاق به.
وفي مساء هذا اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف. فخرج ملك الحبشة يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته. ونزع الأحباش إلى أولاده يختارون منهم من يخلفه في الملك فإذا كلهم حمقى لا يصلحون للرئاسة أو السياسة.. فاختلط على الأحباش أمرهم.
فلما اشتد بهم الضيق قال بعضهم لبعض: اعلموا والله أن ملككم الذي يعود بكم إلي حسن السيرة. ويأخذ بأيديكم إلي طريق النجاة هو ذلك الذي بعتموه بثمن بخس دراهم معدودة. وكنتم كارهين له. فإن كان لكم في بلدكم خير فردوا الملك لصاحبه لأن الله يؤتي الملك من يشاء.
وخرجوا يبحثون عن الرجل الذي اشتراه حتى عثروا عليه بعد حين. فأخذوه واجلسوه على العرش وعقدوا فوق رأسه التاج. ولم يردوا على التاجر الثمن.
وجاء التاجر يشكو هؤلاء المغتصبين الذي اغتصبوا عبده دون أن يردوا عليه ثمنه. ورفع الأمر إلى الملك. فقال النجاشي: لابد من منحه الدراهم أو ليضعن الغلام يده في يده فليذهبن به حيث شاء. فرضخ القوم. وأعطوه الدراهم.
قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فلذلك قال النجاشي: ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي أفآخذ الرشوة فيه؟
وهكذا يتضح لنا أن الحبشة كانت مأوى آمناً للمسلمين يفدون إليها مختارين. وربما وفد إليها بعضهم مضطرين. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب النجاشي بعد أنه اكرم المسلمين هناك وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليه كتاباً يدعوه إلى الإسلام وجاء في هذا الكتاب:
“بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة.. سلام عليك.. فإني أحمد الله إليك الملك القدوس المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسي ابن مريم روح الله وكلمته القاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة. فحملت بعيسي فخلقه من روحه ونفخه. وكما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له. والموالاة على طاعته. وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني. فإني رسول الله. وقد بعثت إليكم ابن عمي ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبر. واني ادعوك وجندك إلى الله. وقد بلغت ونصحت. فاقبلوا نصيحتي والسلام..
المصدر: إسلام ويب